بقلم: ياوز اجار
إسطنبول (زمان التركية) – خطفت الأضواء لقطةٌ تضمنتها الحلقة الأخيرة من مسلسل “نهضة السلاجقة العظمى” الذي تعرضه القناة الرسمية التركية على شاشتها كل يوم اثنين. تزامنت الحلقة مع ضجة كبيرة تسود الشارع التركي منذ أيام بسبب تغاضي الحكومة عن محاسبة المسئولين عن التفتيش العاري للنساء في مراكز الاحتجاز والسجون.
لا يخفى على أحد أن الدراما التركية، خاصة تلك التي تتعلق بالتاريخ العريق للأتراك خلال عهود السلاجقة والعثمانيين، تحمل رسائل سياسية موجهة إلى المشاهد التركي، بل إلى كل أفراد المجتمع الإسلامي والعربي إذا أخذنا بنظر الاعتبار دبلجة هذه المسلسلات إلى لغات العالم المختلفة، بما فيها العربية والأوردية، يحاول فيها الرئيس رجب طيب أردوغان تقديم نفسه في صورة بطل المسلسل مثل أرطغرل وملك شاه.
والدراسات التي أجريت في هذا الصدد تكشف أن المخرجين والمنتجين الأتراك باتوا محترفين للغاية في تضمين المسلسلات الرسائل التي يريد أردوغان إيصالها إلى الرأي العام عمومًا، وقاعدته المؤيدة خصوصًا، سواء في الداخل أو الخارج، بل تكشف أيضًا أن قاعدته تعودت على التقاط تلك الرسائل بسهولة، بحيث تسعى بشكل تلقائي إلى إسقاط ما شاهدته في العالم الافتراضي على الأحداث الحقيقية التي تشهدها تركيا والمنطقة والعالم، وهذا ظاهر بصفة خاصة في مسلسلي “قيامة أرطغرل” و”نهضة السلاجقة العظمى”.
لكن المشكلة تظهر عند المقارنة بين الأدوار الافتراضية التي يضطلع بها الأبطال في تلك المسلسلات؛ والأحداث الحقيقية التي يكون فيها أردوغان “فاعلاً”، كرئيس عادل، أو “مفعولاً به” كزعيم يتعرض للخيانة، حيث نرى أن هناك فرقًا شاسعًا بين أردوغان الخيالي المثالي في المسلسلات وأردوغان الحقيقي الظالم في واقع الحياة.
انقر لمشاهدة فيديو التقرير على فيسبوك
وهذا هو ما نلمسه في لقطة مثيرة من أحداث الحلقة الثالثة عشر من مسلسل “نهضة السلاجقة العظمى”، حيث يأمر السلطان “ملك شاه” وزيره “تاج الملك” بإلقاء القبض على كل من الجندي الذي طعن رئيس الاستخبارات “نظام الملك” في صدره، والجندي الآخر المدعو “سنجر” الذي يرفض معاقبة الطاعن بحجة أنه مغسول دماغه من قبل ما يسمون في المسلسل “الباطنيين”، وفاقد لوعيه، ومخدوع، ويجب إمهاله حتى يعود إلى صوابه، ويكشف عن الدوافع الحقيقية التي حملته على طعن نظام الملك رغم أنه تربى على يديه، بل إن السلطان يأمر بجلب والدي الجنديين وأقاربهما أيضًا إلى القصر في حال عدم العثور عليهما هناك.
ومن ثم ينطلق الوزير تاج الملك الذي لديه أطماع وطموحات لتسلق درجات السلطة والحكم، إلى أن يصل إلى خيمة الجندي سنجر، الذي يعتبر من أحد أبطال المسلسل، لكن والدة سنجر تؤكد عدم وجود ابنها في الخيمة، وأنه لا يمكن أن يرتكب أي جريمة ضد السلطان والدولة، ما يدفع الوزير إلى محاولة اعتقالها مع تكبيل يديها، لكن الوالدة تعترض قائلة: “السلطان ملك شاه لا يمكن أن يأمر أبدًا بجلب امرأة مع تكبيل يديها، بل أنت تمارس هذا الظلم علينا بسبب حقدك البغيض لنا”.
وعندما ترفض والدة سنجر الاستسلام، يقوم الوزير بصفعها على وجهها، ومن ثم يأتي الابن سنجر بعد سماعه بالخبر ويقطع الطريق أمام الوزير وهو يتوجه إلى قصر السلطان ملك شاه، ويشتبك معهم إلى أن يتمكن من إنقاذ والديه ومن معهما.
ومن ثم نرى في برومو الحلقة القادمة، الذي بدأت القناة التركية الرسمية تنشره بعد انتهاء الحلقة الأخيرة (13) مباشرة، أن ملك شاه، وهو يمثل أردوغان بطبيعة الحال، عندما يطلع على ما حدث من انتهاكات في خيمة الجندي سنجر يوبخ وزيره تاج الملك توبيخًا شديدًا، قائلاً: “كيف يمكن لك أن ترفع يدك لتصفع وجه سيدة باسمي؟ ألا تعلم أن ذلك ممنوعٌ في عاداتي وأعرافي؟”. وعندما يجيب الوزير بأنه كان ينفذ أوامره السلطانية يوجه الملك هذه المرة صفعة قوية لوجه الوزير، قائلا: “هل أنت تتخذ سلطتي درعًا لحماية نفسك وارتكاب مظالم؟”.
وإذا أسقطنا هذه اللقطات على الواقع التركي نلاحظ أن المخرج يسعى -باسم أردوغان- إلى توصيل رسالة إلى المشاهدين مفادها أن أردوغان طيِّبٌ، وحاكم عادل يرعى حقوق مواطنيه، وعلى وجه الخصوص حقوق النساء، أما ما تسمعونه أو تعاينونه من ممارسات مهينة للنساء المتهمات كتكبيل أيديهنّ وتفتيشهنّ عاريات ليس إلا تصرفات تعسفية يرتكبها أناسٌ “سيئون” ممن تحلقوا حول أردوغان من حلفاء ووزراء ومسؤولين لتحقيق نواياهم وأطماعهم التي لا تتوافق مع قوانين الدولة وأعرافها.
وعلى الرغم من أن أردوغان يحاول من خلال سيناريوهات المسلسلات التركية غسيل سمعته المتدهورة جراء المعاملات السيئة التي تتعرض لها نساء محجبات في مراكز الأمن والسجون بتهمة انتمائهنّ إلى حركة الخدمة، إلا أن كل من له نصيب من العقل السليم والمنطق الرصين يدرك أن كل هذه الانتهاكات تقع على مرأى ومسمع منه.
قبل كل شيء، أليس أردوغان هو الذي غير أجهزة الأمن والقضاء وقوات تنفيذ القانون ألف مرة منذ فضائح الفساد والرشوة في 2013 والانقلاب المزعوم في 2016، واستبدل غير المرغوب فيهم ضمن الجهاز البيروقراطي بأنصاره؟ أليس هو من أجرى تعديلات ألف مرة على القوانين والمراسيم، بل بدلها بقراراته الشخصية التي يصدرها تحت مسمى مراسيم حالة الطوارئ؟ أليست حكومته من نظّمت اللوائح الخاصة بشروط التفتيش العاري؟ أليس أردوغان من سنّ القوانين من أجل حماية الجناة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة ليلة الانقلاب الفاشل واعتقال مئات الآلاف من الأبرياء دون تفريق بين النساء والشيوخ والأطفال؟
والطامة الكبرى أن حزب أردوغان وحليفه حزب الحركة القومية رفضا إجراء تحقيق برلماني فيما يخص ادعاءات التفتيش العاري للنساء المحجبات، وذلك على الرغم من أن جميع الأحزاب المعارضة أكدت خطورة الادعاءات وطالبت بفحص مراقبة الكاميرات المركبة في مراكز الأمن والسجون.
إن دل هذا على شيء فإنما يدل على الفرق الشاسع بين أردوغان الوهمي الخيالي المروج له في المسلسلات التركية وأردوغان الحقيقي الذي نعاينه بأم أعيننا في واقع الحياة.