كوسوفو (زمان التركية) – أكد كل من رئيس كوسوفو ورئيس وزراءها ووزير خارجيتها أن ترحيل مجموعة من المواطنين الأتراك ذي صلة بحركة الخدمة من بلادهم إلى تركيا عملية غير قانونية، وأعلنوا أنهم سيتابعون القضية عن كثب وسيستخدمون كل صلاحياتهم الدستورية والقانونية على الصعيد المحلي والدولي في هذا الصدد.
وشدد رئيس وزراء كوسوفو راموش هاراديناج على أن عملية اعتقال المواطنين الأتراك وترحيلهم إلى تركيا جرت دون علمه، ومن ثم أمر بإقالة كل من وزير الداخلية “فلامور سيفاج” ورئيس جهاز الاستخبارات “دريتون غاشي”، بالإضافة إلى إقالة موظفين في المخابرات والأمن تورطوا في هذه العملية.
وكانت كوسوفو والعالم أجمع اهتزت أمس الخميس بنبأ اختطاف مجموعة أتراك مكونة من خمسة معلمين يعملون في مدرسة دولية تابعة لحركة الخدمة وطبيب واحد، بالتنسيق والتعاون بين المخابرات التركية ونظيرتها في كوسوفو، تمهيدا لترحيلهم إلى تركيا، من دون محاكمة قضائية واتباع للقوانين المرعية في البلاد.
وأفادت التقارير أن شرطة كوسوفو جاءت إلى مدرسة “محمد عاكف أرصوي” الدولية وأخذت المعلمين مكبلي الأيدي أمام أعين الطلبة لنقلهم إلى مركز الأمن، ومن ثم قامت بتسليمهم إلى مجموعة من عناصر المخابرات التركية.
بينما قالت جاسم كارابينار، زوجة أحد المختطفين، إن مجموعة كانت ترتدي الزي الشرطي أوقفت سيارتهم وأخرجت زوجها وابنها من السيارة من دون ذكر أي سبب، ثم ذهبت بزوجها إلى جهة مجهولة، لافتة إلى أن المجموعة التي زعمت أنها أفراد شرطة المرور ضربت كلاً من زوجها وابنها وأجبرتهما على النزول من السيارة.
وأضافت: “لقد أجبرونا على مرافقتهم. خلال خمس عشرة دقيقة، حاولنا أن نشرح للذين تجمعوا حولنا أن هؤلاء الأشخاص ليسوا من شرطة كوسوفو، إنهم رجال الاستخبارات التركية ويتبعون لأردوغان، لكنهم كانوا يرتدون بزات الشرطة المحلية. لذلك أولئك الذين كانوا موجودين لم يقوموا بمساعدتنا وإنقاذنا. انظروا الى ساعدي، لقد ضربوني، لقد تركوا ندوباً على ساعدي وعلى صدر ابني”.
ومن ثم نشرت وكالة أناضول التركية الرسمية صور المواطنين الستة، وأعلنت أن المخابرات التركية نفذت عملية عابرة للحدود في كوسوفو بالتعاون مع الجهات المحلية، وقامت بإرسال المعلمين إلى تركيا، ورجحت المصادر أن هذه الصور التقطت في مقر السفارة التركية بكوسوفو.
وقد خلقت عملية اختطاف المواطنين الأتراك في وسط أوروبا أزمة حقيقية في كوسوفو، إذ قال رئيس كوسوف هاشم ثاتشي: “إن كوسوفو بلد يحترم حقوق الإنسان للجميع، لكن بلادي فشلت اليوم في الحفاظ على حقوق مواطنيها الأجانب للأسف. إني أرى أنه يجب عدم ترحيل أي شخص من بلادنا بسبب آراءه وأفكاره المختلفة”.
في حين أعلن رئيس وزراء البلاد راموش هاراديناج أن السلطات المعنية لم تقم بإبلاغه مثل هذه العملية المخالفة للدستور والقانون، لذا أمر بفصل عناصر المخابرات والشرطة الذين تورطوا في العملية التعسفية، معلنًا أنه سيتعامل مع القضية وفق الدستور والقوانين، وسيستخدم كل صلاحياته الدستورية في هذا الصدد، فيما استنكر وزير الخارجية عملية ترحيل المواطنين الأتراك إلى تركيا بصورة غير قانونية.
خبر ترحيل المعلمين الأتراك إلى تركيا دون علم حكومة كوسوفو لمجرد انتماءهم إلى حركة الخدمة لقي صدى واسعًا في الصحافة المحلية في كوسوفو والدولية في العالم، حيث نقلت كبرى الصحف ووكالات الأنباء الغربية الحدث المثير للجدل إلى متابعيها، وعلى رأسها صحيفة نيويورك تايمز وواشنطن بوست وبي بي سي ووكالة رويترز وغيرها.
فضلاً عن أن ترحيل المواطنين الأتراك إلى تركيا بصورة تعسفية قوبل باستياء شديد من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي أيضًا، واستنكروا العملية بتغريداتهم التي نشروها بعديد من اللغات، بينها العربية والتركية والإنجليزية. إذ لفت “نبض تركيا” على موقع تويتر إلى أن “جواسيس #أردوغان يحاولون اختطاف 6 معلمين في مدرسة لحركة #كولن في كوسوفو بالتعاون مع مخابرات كوسوفو”، بينما قال حساب @letonyamuhtar “مصادر مطلعة تشير إلى احتمالية توجه الدول الغربية إلى طرد كل الدبلوماسيين الأتراك من أراضيها بسبب عمليات #أردوغان غير القانونية كما حدث في #كوسوفو، مثلما تطرد حاليا الدبلوماسيين الروس”.
وفي أعقاب انتشار خبر اختطاف المعلمين الأتراك، هرع طلبة المدرسة التي تحمل اسم الشاعر الوطني التركي الشهير محمد عاكف أرصوي إلى الشوارع ومطار كوسوفو الدولي واحتجوا على ترحيل معلميهم إلى تركيا بطريقة غير قانونية.

ورغم مواجهتها ضغوطاً من الحكومة التركية، فإن حكومة كوسوف تؤكد أنها لن تقفل مدارس حركة الخدمة الموجودة على أراضيها منذ أكثر من عقد.
يذكر أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتهم حركة الخدمة بالوقوف وراء الانقلاب الفاشل ويسعى انطلاقًا من ذلك إلى اعتقال كل من له صلة بالحركة سواء شارك في الانقلاب أم لم يشارك، أو أسندت إليه جريمة مادية أو لم تسند؛ كما يمارس ضغوطا على حكومات العالم لاستعادة المنتمين إلى الحركة العاملين في الخارج إلى تركيا، أو يوظف عناصر مخابراته أو عناصر غير قانونية لاختطافهم، خاصة المعلمين، عبر طرق أشبه بالمافيوية، بل يوصل الأمر أحيانًا إلى ارتكاب عمليات اغتيال ضدهم.
إلا أن المعارضة التركية تتهم أردوغان بتدبير انقلاب مسيطر عليه لتصفية العراقيل التي تقف أمام مشاريعه في الداخل التركي والمنطقة، خاصة في سوريا، فضلاً عن أن عديدًا من التقارير المخاراتية الدولية نشرت في العام المنصرم كشفت صحة هذا الادعاء وبراءة حركة الخدمة من تهمة الانقلاب.
وكان الداعية الإسلامي فتح الله كولن نفى اتهامات أردوغان جملة وتفصيلاً، ودعا أردوغان والمجتمع الدولي إلى تشكيل لجنة دولية للتحقيق في محاولة الانقلاب الفاشلة وكشف المجرمين الحقيقيين والمحرضين عليها، معلنًا أنه مستعد للعودة إلى تركيا والقتل شنقًا إن أثبتت هذه اللجنة ولو واحدًا من هذه الاتهامات، الدعوة التي لم تلق صدى إيجابيا حتى اللحظة من قبل أردوغان.
وكانت الأمم المتحدة كشفت عن تقرير جديد يشير إلى أن فترة حالة الطوارئ المستمرة في البلاد منذ 18 شهرًا، شهدت اعتقال 160.000 شخصًا، وفصل 152.000 شخصًا من وظائفهم، منهم قضاة ومدعون عامون وأكاديميون من دون أي تحقيق، ونوهت بأن السلطات التركية ألقت القبض على ما يقارب 100 سيدة حامل، منهن من أوشكت على وضع حملها، لمجرد كون أزواجهن مشتبهًا فيهم.